فريضة الزكاة فرضها الله عز وجل لاحداث التوازن والاستقرار والتكافل في المجتمعات .. لكن ما يثير الانتباه ملاحظة اغفال الكثيرين لهذه الفريضة العظيمة مما يلزم التنبيه و التذكرة لكافة المسلمين بمعنى وقيمة والمنافع التي تعود على الامة الاسلامية والمجتمع من احياء فريضة الزكاة والالتزام بها.
ليست الزكاة مجرد اقتطاع مالي عابر أو إحسان اختياري يمنّ به الغني على الفقير، بل هي ركن مكين من أركان الإسلام ، وتوافق نظام اقتصادي واجتماعي فريد شرعه الله سبحانه وتعالى لتحقيق التوازن ، واستقرار المجتمعات ، وترسيخ روح الإخاء والتكافل .. ورغم هذه المكانة العالية ، نلاحظ في زماننا هذا إغفالا أو تهاونا من البعض في أداء هذه الفريضة العظيمة ، إما جهلا بدقائق أحكامها ، أو غفلة عن مقاصدها الجليلة ، مما يجعل التذكير بقيمتها وآثارها ضرورة ملحة لاستعادة دورها الحضاري.
تتجلى قيمة الزكاة أولا في جانبها التطهيري والتربوي .. فهي تطهر نفس المعطي من الشح والحرص و عبودية المال ، وتدربه على الجود والمشاركة الفعالة في نهضة مجتمعه .. وفي المقابل ، تطهر نفس الآخذ من الحقد والحسد والضغينة تجاه الأغنياء ، حين يشعر بأنه ليس متروكا لمواجهة أعباء الحياة بمفرده ، بل هو محاط برعاية أمته وأفراد مجتمعه .. مما ينسج شبكة أمان نفسية واجتماعية تحمي الأفراد من التهميش والحاجة.
أما على الصعيد الاقتصادي ، فإن التزام المسلمين بأداء الزكاة يعمل بمثابة محرك حيوي للدورة الاقتصادية .. إذ يسهم في محاربة كنز الأموال وظاهرة "الأكناز" غير المستثمرة ، ويضخ القوة الشرائية في أيدي الطبقات الأكثر احتياجًا. هذا الضخ المالي يعزز الطلب على السلع والخدمات، ويكافح الفقر والبطالة، ويحد من الفجوة الطبقية التي تشهدها المجتمعات اليوم، محولًا الفئات المستهلكة أو العاجزة إلى طاقات منتجة ومستقرة.
ولعل أسمى المنافع التي تعود على الأمة الإسلامية من إحياء هذه الفريضة تتجسد في تحقيق التكافل الاجتماعي الشامل لاسيما كفالة الفقراء، والمساكين، والغارمين، وابن السبيل، بما يضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة لكل فرد.
وايضا تعزيز الأمن والاستقرار المجتمعي من خلال خفض معدلات الجريمة والانحراف الناتجة عن الحاجة والقرابة الطبقية ، وترسيخ الطمأنينة بين أفراد المجتمع.. علاوة على استقلال القرار والاقتصاد الإسلامي وخفض الاعتماد على القروض الخارجية أو المساعدات المشروطة، وبناء اقتصاد يتسم بالاعتماد على الذات والتضامن الذاتي.
ان احياء فريضة الزكاة من شأنه نيل مرضاة الله عز وجل، وحلول البركة في أموال الأفراد وموارد الأمة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾.
إن إعادة الوعي بأهمية الزكاة وتفعيل مؤسساتها وفق معايير الحوكمة والشفافية والعدالة في التوزيع، ليس مجرد سعي لحل مشكلات مادية عابرة، بل هو استعادة لأحد أهم مقومات النهوض الحضاري للأمة. فالأمة التي ترعى ضعفاءها وتصلح أحوال فقرائها وتستثمر أموالها وفق منهج الله، هي أمة تتوافر لها أسباب القوة والتمكين والاستقرار.